أبي حيان الأندلسي

130

تفسير البحر المحيط

مشاركتهم في الإلهية بقوله : * ( مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ) * لا أعتضد بهم في خلقها * ( وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ) * أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله * ( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ) * وما كنت متخذهم أعواناً فوضع * ( الْمُضِلّينَ ) * موضع الضمير ذماً لهم بالإضلال فإذا لم يكونوا لي * ( عَضُداً ) * في الخلق فما لكم تتخذونهم شركاء في العبادة انتهى . وقيل : يعود على الملائكة والمعنى أنه ما أشهدهم ذلك ولا استعان بهم في خلقها بل خلقتهم ليطيعوني ويعبدوني فكيف يعبدونهم . وقيل : يعود على الكفار . وقيل : على جميع الخلق . وقال ابن عطية : الضمير في * ( أَشْهَدتُّهُمْ ) * عائد على الكفار وعلى الناس بالجملة ، فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والمتحكمين والأطباء وسواهم من كل من يتخرص في هذه الأشياء ، وقاله عبد الحق الصقلي وتأول هذا التأويل في هذه الآية وأنها رادة على هذه الطوائف ، وذكر هذا بعض الأصوليين انتهى . وقرأ أبو جعفرر والجحدري والحسن وشيبة * ( وَمَا كُنْتَ ) * بفتح التاء خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم ) . قال الزمخشري : والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم ، وما ينبغي لك أن تعتز بهم انتهى . والذي أقوله أن المعنى إخبار من الله عن نبيه وخطاب منه تعالى له في انتفاء كينونته متخذ عضد من المضلين ، بل هو مذ كان ووجد عليه السلام في غاية التبرّي منهم والبعد عنهم لتعلم أمته أنه لم يزل محفوظاً من أول نشأته لم يعتضد بمضل ولا مال إليه صلى الله عليه وسلم ) . وقرأ عليّ بن أبي طالب متخذاً المضلين أعمل اسم الفاعل . وقرأ عيسى * ( عَضُداً ) * بسكون الضاد خفف فعلاً كما قالوا : رجل وسبع في رجل وسبع وهي لغة عن تميم ، وعنه أيضاً بفتحتين . وقرأ شيبة وأبو عمر وفي رواية هارون وخارجة والخفاف * ( عَضُداً ) * بضمتين ، وعن الحسن * ( عَضُداً ) * بفتحتين وعنه أيضاً بضمتين . وقرأ الضحاك * ( عَضُداً ) * بكسر العين وفتح الضاد . وقرأ الجمهور * ( وَيَوْمَ يَقُولُ ) * بالياء أي الله . وقرأ الأعمش وطلحة ويحيى وابن أبي ليلى وحمزة وابن مقسم : نقول بنون العظمة أي للذين أشركوا به في الدنيا * ( نَادُواْ شُرَكَائِىَ ) * وليس المعنى أنه تعالى أخبر أنهم شركاؤه ولكن ذلك على زعمكم ، والإضافة تكون بأدنى ملابسة ومفعولاً * ( زَعَمْتُمْ ) * محذوفان لدلالة المعنى عليهما إذ التقدير زعمتموهم شركائي والنداء بمعنى الاستغاثة ، أي استغيثوا بشركائكم والمراد نادوهم لدفع العذاب عنكم أو للشفاعة لكم ، والظاهر أن الضمير في * ( بَيْنَهُمْ ) * عائد على الداعين والمدعوين وهم المشركون والشركاء . وقيل : يعود على أهل الهدى وأهل الضلالة ، والظاهر وقوع الدعاء حقيقة وانتفاء الإجابة . وقيل : يحتمل أن يكون استعارة كأن فكرة الكافر ونظره في أن تلك الجمادات لا تغني شيئاً ولا تنفع هي بمنزلة الدعاء وترك الإجابة . وقرأ الجمهور * ( شُرَكَائِىَ ) * ممدوداً مضافاً للياء ، وابن كثير وأهل مكة مقصوراً مضافاً لها أيضاً ، والظاهر انتصاب * ( بَيْنَهُمْ ) * على الظرف . وقال الفراء : البين هنا الوصل أي * ( وَجَعَلْنَا ) * نواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة ، فعلى هذا يكون مفعولاً أول لجعلنا ، وعلى الظرف يكون في موضع المفعول الثاني . وقال ابن عباس وقتادة والضحاك : الموبق المهلك . وقال الزجاج : جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم . وقال عبد الله بن عمر وأنس ومجاهد : واد في جهنم يجري بدم وصديد . وقال الحسن : عداوة . وقال الربيع بن أنس : إنه المجلس . وقال أبو عبيدة : الموعد . * ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ ) * هي رؤية عين أي عاينوها ، والظن هنا قيل : على موضوعه من كونه ترجيح أحد الجانبين . وكونهم لم يجزموا بدخولها رجاء وطمعاً في رحمة الله . وقيل : معنى * ( فَظَنُّواْ ) * أيقنوا قاله أكثر الناس ، ومعنى * ( مُّوَاقِعُوهَا ) * مخالطوها واقعون فيها كقوله * ( وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ * رَّبُّهُمْ ) * . وقال ابن عطية : أطلق الناس أن الظن هنا بمعنى التيقن ، ولو قال بدل ظنوا أيقنوا لكان الكلام متسقاً على مبالغة فيه ، ولكن العبارة بالظن لا تجيء أبداً في موضع يقين تام قد ناله الحسن بل أعظم درجاته أن يجيء في موضع علم متحقق ، لكنه لم يقع ذلك المظنون وإلاّ فمن يقع ويحس لا يكاد يوجد في كلام العرب العبارة عنه بالظن . وتأمل هذه الآية وتأمل قول دريد :